الغزالي
53
إحياء علوم الدين
الجاه والقبول ، فيهلك بسببه ، وهو يظن أنه عند الله بمكان ، وهو من الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بقوم لا خلاق لهم » [ 2 ] « وإنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر » ولذلك روى أن إبليس لعنه الله ، تمثل لعيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ، فقال له قل لا إله إلا الله ، فقال كلمة حق ولا أقولها بقولك . لأن له أيضا تحت الخير تلبيسات ، وتلبيسات الشيطان من هذا الجنس لا تتناهى وبها يهلك العلماء ، والعباد والزهاد ، والفقراء والأغنياء ، وأصناف الخلق ممن يكرهون ظاهر الشر ، ولا يرضون لأنفسهم الخوض في المعاصي المكشوفة . وسنذكر جملة من مكايد الشيطان في كتاب الغرور ، في آخر هذا الربع . ولعلنا إن أمهل الزمان صنفنا فيه كتابا على الخصوص ، نسميه تلبيس إبليس . فإنه قد انتشر الآن تلبيسه في البلاد والعباد لا سيما في المذاهب والاعتقادات ، حتى لم يبق من الخيرات إلا رسمها ، كل ذلك إذعانا لتلبيسات الشيطان ومكايده فحق على العبد أن يقف عند كل هم يخطر له ، ليعلم أنه من لمة الملك أو لمة الشيطان . وأن يمعن النظر فيه بعين البصيرة ، لا بهوى من الطبع ، ولا يطلع عليه إلا بنور التقوى والبصيرة وغزارة العلم . كما قال تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ من الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ) * « 1 » أي رجعوا إلى نور العلم * ( فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) * « 2 » أي ينكشف لهم الإشكال . فأما من لم يرض نفسه بالتقوى ، فيميل طبعه إلى الإذعان بتلبيسه بمتابعة الهوى ، فيكثر فيه غلطه ، ويتعجل فيه هلاكه وهو لا يشعر . وفي مثلهم قال سبحانه وتعالى * ( وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) * « 3 » قيل هي أعمال ظنوها حسنات ، فإذا هي سيئات . وأغمض أنواع علوم المعاملة الوقوف على خدع النفس ، ومكايد الشيطان ، وذلك فرض عين على كل عبد ، وقد أهمله الخلق ، واشتغلوا بعلوم تستجر إليهم الوسواس ، وتسلط عليهم الشيطان ، وتنسيهم عداوته ، وطريق الاحتراز عنه . ولا ينجى من كثرة الوسواس إلا سدّ أبواب الخواطر ،
--> « 1 » لاعراف : 201 « 2 » لاعراف : 201 « 3 » الزمر : 47